بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي الزائر هذه الرسالة تفيد انك لستَ عضو لدينا في المنتدى
لا يمكن عرض الروابط لغير المشتركين
(الأعضاء)
في حال رغبتم بالاِنضمام إلى أسرتنا في المنتدى ينبغي التسجيل
أما ذا كنت عضو تفضل بالدخول وأهلا وسهلا،،،



 
الرئيسيةس .و .جتسجيلدخولالبوابةالتسجيل

شاطر | 
 

 اهتمام المحدثين ومنهجهم في حفظ السنة النبوية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
النيوه





الإنتساب : 14/04/2011
المشاركات : 12
المدينة : على ضفاف الخليج
الهواية :
الـمهنة :
المزاج :
الجنس : انثى
السٌّمعَة : 4
نـــقـاط : 2102
احترام قوانيين المنتدى :
دولـــتـي : السعودية
الــعـلــم : السعودية
جنسيتي : سعودي

مُساهمةموضوع: اهتمام المحدثين ومنهجهم في حفظ السنة النبوية   الخميس 14 أبريل 2011, 8:22 pm

اهتمام المحدثين ومنهجهم في حفظ السنة النبوية
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا. وبعد:

من خلال قراءتي لبعض المصادر الأولى التي ألفت حول علوم السنة النبوية، تبين لي مدى حرص الرواة وتثبتهم في نقل السنة النبوية، وهذا من فضل الله - تعالى - على هذه الأمة أن هيأ لهذا الدين أئمة أعلاماً يهتدى بهم في الليلة الظلماء، وأدلة إلى الحق أيام الفتن والمحن.

فأردت أن أكتب بحثاً أبين فيه مكانة هؤلاء الأئمة الذين أدوا السنة كما سمعوها، وسيتبين لكل منصف أمانة هؤلاء الأعلام، وحرصهم الشديد على سنة نبيهم –صلوات الله وسلامه عليه-.

وما يقال: إن السنة النبوية نقلت عن طريق الرواة المعرضين للخطأ والنسيان، فهو مجرد احتمال بعيد، لا يقوم على دليل علمي، وسيظهر لكل منصف- من خلال ما أذكره من أدلة ووقائع من منهج المحدثين- زيف هذه الاحتمالات القائمة على الاحتمالات العقلية التي لا يعرج عليها.

كما سيظهر لنا- إن شاء الله تعالى- جلياً من خلال هذا البحث المتواضع مدى عناية واهتمام المحدثين بالسنة.

وسيكون هذا البحث في سبعة مباحث وخاتمة:

المبحث الأول: السن التي كانوا يخرجون فيها لطلب الحديث.

المبحث الثاني: الصيغة التي يستعملونها لأداء الحديث.

المبحث الثالث: نشرهم للحديث النبوي.

المبحث الرابع: طريقتهم في الأداء والتحديث.

المبحث الخامس: كتابتهم للحديث وعنايتهم بالكتب.

المبحث السادس: رحلتهم في طلب الحديث.

المبحث السابع: تحذيرهم من الصحفي.

الخاتمة: وفيها أهم ما توصلت إليه.

المبحث الأول: السن التي كانوا يخرجون فيها لطلب الحديث:

حدد أهل الحديث سناً إذا بلغها الشاب خرج لطلب الحديث وكتابته، أما إذا لم يبلغها فيمنع من الخروج، وذلك من أجل أن يكون هذا الطالب على دراية وإدراك لما يكتب ولما خرج من أجله. فجعلوا من بلغ عشرين عاماً حق له طلب الحديث.

قال الإمام الرامهرمزي: "على أن طلاب الحديث عصر التابعين كانوا في حدود العشرين، وكذلك يذكر عن أهل الكوفة"[1].

"قيل لموسى بن إسحاق: كيف لم تكتب عن أبي نعيم؟ قال: كان أهل الكوفة لا يخرجون أولادهم في طلب العلم صغاراً، حتى يستكملوا عشرين سنة"[2]. وهو لم يبلغ سن العشرين لذا لم يكتب عنه.

وليس المراد أن من طلب الحديث قبل هذه السن لا يصح؛ إذ كان أهل البصرة يرسلون أولادهم لطلب الحديث إذا بلغوا عشر سنين، وإنما المراد المبالغة في التأكد من إدراكه، فالصحيح أن من كان يقظاً ذكياً جاز له طلب الحديث والعناية به، ولو كان دون العشرين، فهذا سفيان بن عيينة طلب الحديث وعمره خمس عشرة سنة[3].

أما أداء الحديث بعد تحمله فلا يقبل إلا من كان بالغاً. [4]

المبحث الثاني: الصيغة التي يستعملونها لأداء الحديث:

قد بلغ حرص هؤلاء الأئمة الأعلام أنهم كانوا أهل دقة في اختيار استعمال الصيغة لأداء الحديث، ملاحظين الكيفية عند تحملهم للحديث.

قال الحافظ الخطيب - رحمه الله تعالى -: "كان شيخنا أبو بكر البرقاني يقول فيما رواه لنا عن أبي القاسم عبد الله بن إبراهيم الجرجاني المعروف بالأبندوني: (سمعت)، ولا يقول: (حدثنا، ولا أخبرنا)، فسألته عن ذلك: فقال: كان الأبندوني عسراً في الرواية جداً، مع ثقته وصلاحه وزهده، وكنت أمضي مع أبي منصور ابن الكرجي إليه، فيدخل أبو منصور عليه، وأجلس أنا بحيث لا يراني الأبندوني، ولا يعلم بحضوري، فيقرأ هو الحديث على أبي منصور، وأنا أسمع، فلهذا أقول فيما أرويه عنه: (سمعت) ولا أقول: (حدثنا ولا أخبرنا)، فإن قصده كان الرواية لأبي منصور وحده"[5].

فهذه الواقعة تدل على أمانة هذا الإمام ودقته في اختيار الصيغة التي تدل على الحالة التي تحمل بها الحديث.

قال الإمام الحافظ معتمر بن سليمان البصري المتوفى سنة سبع وثمانين ومائة: "سمعت، أسهل علي من حدثنا وأخبرنا، وحدثني، وأخبرني؛ لأن الرجل قد يسمع ولا يحدث"[6].

فمن أجل ضبط تلقي السنة وضع علماء الحديث طرق أنواع التحمل، وجعلوها ثمانية طرق، مبينين أحكامها بالتفصيل[7]. كما أن من تحمل أحاديث عن طريق النظر في كتاب موثوق به، بينوا أمره، وقالوا بحقه: روى أحاديث وجادة، أو رواها من صحيفة، ونحو ذلك من العبارات التي تدل على عدم سماع ما يحدث به.

قال سفيان بن عيينة: "حديث أبي سفيان عن جابر، إنما هي صحيفة".[8]

وقال عبد الرحمن بن مهدي: "حديث سفيان أحاديث إسرائيل عن عبد الأعلى عن ابن الحنفية، قال: كانت من كتاب"[9]. قلت: يعني أنها ليست بسماع.

فمن خلال هذين النصين وغيرهما يتبين لنا أن العلماء قد بينوا وميزوا السماع من غيره، وهذا دليل واضح على أمانتهم واهتمامهم. ومن شدة أمانتهم أن الراوي عندما يسأل عما يحدث به يخبرهم بأن الذي حدث به أخذه من صحيفة.

قال الحسن بن عبيد الله: "ذكرت لإبراهيم شيئاً. فقال- أي إبراهيم -: هذا وجدته في صحيفة"[10].

كما أنهم ميزوا بين السماع والعرض علما أن كليهما من الطرق التي يصح بها التحمل.

قال الإمام أبو عبد الله أحمد - رحمه الله -: "سمع حجاج الأعور [11] التفسير من ابن جريج[12]. قال حجاج: أحاديث طوال سمعتها منه- أي من ابن جريج- سماعاً... والباقي عرضاً، وأحاديث أيضا"[13]

نجد هذا الإمام الثبت قد ميز مروياته عن ابن جريج، علما أنها كلها صحيحة، ولا يضيره شيء ولو لم يميز.

كما أن الراوي إذا حدث بحديث ما، ولم يتحمله بواحد من الطرق المعروفة، فإن الراوي يقول: قال فلان أو عن فلان، ونحو ذلك من الألفاظ التي تدل على عدم السماع.

قال الإمام أحمد في ابن وهب: "كان بعض حديثه سماعاً، وبعضه عرضاً، وبعضه مناولة، وكان ما لم يسمعه يقول: قال حيوة، قال فلان"[14].

وهكذا كان يفعل الإمام البخاري في معلقاته التي لم يأخذها بواحد من طرق التحمل، يقول: قال فلان، ويذكر عن فلان، ونحو ذلك؛ لأنه أخذها من كتاب.

وهذا أمر جائز لا يضير المحدث، ما دام أنه يستعمل صيغة لا تدل على السماع.

قال الإمام الذهبي - تعليقاً على كلام الإمام أحمد: "كان ابن إسحاق يشتهي الحديث، فيأخذ كتب الناس فيضعها في كتبه"-: "هذا الفعل سائغ، فهذا الصحيح للبخاري فيه تعليق كثير".[15]

وكذلك بلاغات الإمام مالك في الموطأ فإنه أخذها من كتاب.

قال الإمام أحمد: "كان مالك بن أنس يتلهف على بكير بن الأشج، وكان غاب عن المدينة، ويقولون: إن مرسلات مالك التي يقول: بلغني عن فلان، أخذها من كتب بكير، يقولون عن ابنه"[16]. قلت: إذا قال الراوي: قال فلان، فله ثلاث حالات:

1 - أن يكون القائل غير مدلس: فهذا حكمه الاتصال، إلا إن كان هناك دليل بأن تلك الأحاديث أخذها من كتاب، كمعلقات البخاري وبلاغات مالك.

2 - أن يكون القائل معروفاً بالتدليس: فهذا حكمه الرد.

3 - أن يكون حاله مجهولاً: فهل يحمل على الاتصال أم لا؟ [17].

كما أن الراوي لا يقول: سمعت أو حدثنا، وهو لم يحدث أو يسمع؛ لأن من فعل ذلك، وهو لم يحدث ولم يسمع يكون كذاباً، وبالتالي يكون مجروحاً، وإنما يستعمل صيغة لا تدل على السماع، وإذا وجدنا راوياً قد قال: حدثنا وهو لم يحدث، فهذا ليس منه، وإنما جاء من الرواة بعده.

قال محمد بن جابر المحاربي: "قال رجل لأبي أسامة الكوفي المتوفى سنة إحدى ومائتين، قل: حدثنا.

فقال: فقدتك أي أفقدك بالموت. والله إن الحق يثقل علي، فكيف أكذب لك"[18].

وقد كان جماعة من المحدثين لا يسمعون من المحدث، إلا إذا كان يقول: حدثنا أو سمعت.

قال سفيان بن عيينة: "كان عبد الكريم أول من جالسته قبل عمرو بن دينار، فكان كثيراً من حديثه، لا يقول فيه (سمعت)، يقول: (قال فلان) ففررت منه، وذهبت إلى عمرو بن دينار، فكان يقول: سمعت وحدثنا"[19].

وقال الإمام شعبة بن الحجاج: "كل حديث ليس فيه، سمعت، فهو خل وبقل"[20]. لكن قد وجد من بعض الرواة الضعفاء المتروكين أنه يستعير كتاباً، ثم يحدث به عن شيخ الذي استعار منه الكتاب، كما فعل مطرف بن مازن الصنعاني، المتوفى سنة إحدى وتسعين ومائة.

قال هشام بن يوسف الصنعاني المتوفى سنة سبع وتسعين ومائة: "استعار كتبي على أن ينسخها ويسمعها مني، فنسخها ورواها عن شيوخي ابن جريج وغيره، انظروا في كتبه، فإنها توافق كتبي". [21]

فنلاحظ أن العلماء قد بينوا أمر مطرف، وهكذا يبينون كل من سلك سبيله وفعل مثله.

المبحث الثالث: نشرهم للحديث:

كان أولئك الأئمة لا يحدثون بالحديث كل أحد، بل كانوا يحدثون من كان حافظا لكتاب الله - تعالى -.

وممن كان يذهب هذا: المذهب سليمان بن مهران المعروف بالأعمش والمتوفى سنة سبع وأربعين ومائة.

قال حفص بن غياث الكوفي المتوفى سنة أربع أو خمس وتسعين ومائة: " أتيت الأعمش، فقلت: حدثني! قال: أتحفظ القرآن؟ قلت: لا! قال: اذهب فاحفظ القرآن، ثم هلم أحدثك. قال: فذهبت فحفظت القرآن، ثم جئته، فاستقرأني، فقرأته، فحدثني".[22]

وقد عقد القاضي عياض باباً خاصاً في الأمور التي ينبغي لطالب الحديث أن يتحلى بها قبل سماع الحديث. [23]

وكان يذهب هذا المذهب الإمام عبد الله بن المبارك المتوفى سنة إحدى وثمانين ومائة[24]، وسعيد بن أبي مريم المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين وغيرهما.

قال عثمان بن سعيد الدارمي السمار: "كنا عند سعيد بن أبي مريم بمصر، فأتاه رجل فسأله كتاباً ينظر فيه، أو سأله أن يحدثه بأحاديث فامتنع عليه، وسأله رجل آخر في ذلك فأجابه، فقال: فقال له الأول: سألتك فلم تجبني، وسألك هذا فأجبته، وليس هذا حق العلم! أو نحوه من الكلام.

قال: فقال ابن أبي مريم: إن كنت تعرف الشيباني من السيباني، وأبا جمرة من أبي حمزة، وكلاهما عن ابن عباس –رضي الله عنهما-، حدثناك وخصصناك كما خصصنا هذا".[25]

والأمثلة على هذا كثيرة، فهذا دليل واضح أنهم كانوا في الغالب لا يحدثون إلا من كان فطناً حافظاً لكتاب الله ملتزماً شرع الله - تعالى -.

كما أنهم كانوا لا يحدثون إلا من كان راغباً في سماع الحديث وتحمله، إلى جانب ما تقدم من بعض الأمور التي ينبغي لطالب الحديث أن يتصف بها، قال الإمام مسروق بن الأجدع المتوفى سنة اثنتين وستين: "لا تنشر بزك إلا عندما يبغيه".[26]

قال الإمام أحمد: "يعني الحديث".

ولا يخفى على أحد أن العلم إذا أعطي للزاهد فيه، فإنه سرعان ما ينساه، وحينئذ سيكون ضرره أكثر من نفعه.

قال أبو قلابة المتوفى سنة أربع ومائة: "لا تحدث بالحديث من لا يعرفه، يضره ولا ينفعه".[27]

لذا نجد غير واحد من المحدثين يحذر من أن يعطى هذا الحديث لغير أهله.

قال الإمام ابن شهاب الزهري الفقيه الحافظ المتوفى سنة خمس وعشرين ومائة: "إن للحديث آفة ونكداً وهجنة، فآفته نسيانه، ونكده الكذب، وهجنته نشره عند غير أهله"[28]. والمراد بقوله: "وهجنه" أي: تقبيحه.

وقال الأعمش: "آفة الحديث النسيان، وإضاعته أن تحدث به غير أهله"[29]. وقال أيضاً: "انظروا إلى هذه الدنانير، لا تلقوها على الكنايس"[30]. يعني الحديث.

ومن شدة حرصهم وعنايتهم بالسنة النبوية أنهم كانوا يطلبون إعادة الحديث من المحدث لكي يحفظه.

قال الإمام مالك بن أنس - رحمه الله - المتوفى سنة تسع وسبعين ومائة: "لقيت ابن شهاب يوماً في موضع الجنائز، وهو على بغلة له، فسألته عن حديث فيه طول، فحدثني به. قال: فأخذت بلجام بغلته، فلم أحفظه، قلت: يا أبا بكر، أعده علي، فأبى. فقلت: أما كنت تحب أن يعاد عليك الحديث، فأعاده علي".[31]

نجد الإمام مالكاً - رحمه الله - يصر على الإمام الحافظ الزهري؛ ليحدثه الحديث ثانية، لكي يتمكن من حفظه، مما يدل على حرص هؤلاء الأئمة على حفظ السنة وأدائها من غير زيادة أو نقصان. فمن المعروف أن الأحاديث الطوال لا يستطيع الراوي أن يحفظها من أول مرة، لذلك كان المحدث يجد صعوبة ومشقة في حفظها.

قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي: "سأل رجل سليمان بن المغيرة - المتوفى سنة خمس وستين ومائة-: كيف سمعت هذه الأحاديث الطوال؟. قال: كنت أخوض فيها الرداغ".

قال الإمام أحمد: "هذه الأحاديث الطوال إنما كان سليمان بن المغيرة يحفظها، ولم تكن عنده في كتاب".[32]

وكان بعض المحدثين إذا كان الحديث طويلاً ولم يمكنه أن يحفظه في مجلس واحد قسمه إلى مجلسين، ليتمكن من حفظه.

قال مطرف: "كان قتادة إذا سمع الحديث يختطفه اختطافاً..."، إلى أن قال: "وإن كان الحديث طويلاً، بحيث لا يمكن حفظه في مجلس واحد حفظ نصفه، ثم عاد في مجلس آخر فحفظ بقيته".[33]

وهكذا كان تلاميذ قتادة ينهجون هذا المنهج.

المبحث الرابع: طريقتهم في التحديث:

من الأساليب التي كانوا يتبعونها للحفاظ على السنة النبوية أنهم كانوا إذا حدثوا أحداً حدثوا بالعدد القليل من أجل أن يكون التلميذ أقدر على حفظ الحديث بحروفه؛ لأن العدد القليل، كما هو معروف، يسهل على الإنسان حفظه، كما أن المحدث عندما يحدث بالقليل يكون التلميذ في شوق إلى المزيد.

قال شعبة: "كنت آتي قتادة فأسأله عن حديثين، فيحدثني، ثم يقول: أزيدك؟ فأقول: لا! حتى أحفظهما وأتقنهما"[34]. وقال أبو بكر بن عياش: "كان الأعمش إذا حدث بثلاثة أحاديث قال: قد جاءكم السيل. قال أبو بكر: وأنا اليوم مثل الأعمش"[35].

وكان يسير على هذا المنهج الإمام الثقة أبو قلابة البصري، المتوفى سنة أربع ومائة، والإمام الحجة أبو الوليد هشام بن عبد الملك الباهلي البصري، المتوفى سنة سبع وعشرين ومائتين. [36]

قال الحسن بن المثنى: "كان أبو الوليد يحدثنا بثلاثة أحاديث إذا صرنا إليه، لا يزيدنا على ثلاثة أحاديث"[37].

وقد حذر غير واحد من أهل العلم من أخذ العلم جملة؛ لأنه سرعان ما ينسى.

قال الإمام الزهري: "من طلب العلم جملة، فاته جملة، وإنما يدرك العلم حديث وحديثان"[38].

وقد وصلت الأمانة عندهم منزلة لا يصل إليها إلا من كان مثلهم في التقى والورع، إذ كان أحدهم إذا شك في حديث ما من مجموعة أحاديث مكتوبة في صحيفته، ولم يتبين له الحديث الذي شك فيه، فإنه في هذه الحالة يترك جميع ما رواه عن ذلك الشيخ في تلك الصحيفة.

وقد سلك هذا المنهج غير واحد من المحدثين، فمن ذلك:

الإمام الثقة الحجة الخبير في الرجال والحديث عبد الرحمن بن مهدي أبو سعيد البصري المتوفى سنة ثمان وتسعين ومائة.

قال - رحمه الله -: "وجدت في كتبي بخط يدي عن شعبة ما لم أعرفه وطرحته" [39].

وقال أيضاً: "خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن: الحكم والحديث" [40]. أي لا بدّ من الجزم فيهما.

وقال الإمام يحيى بن معين المتوفى سنة ثلاث وثلاثين ومائتين: "من لم يكن سمحاً في الحديث كان كذاباً. قيل له: وكيف يكون سمحاً؟ قال: إذا شك في حديث ما تركه" [41].

وكان الإمام مالك ممن يتبع هذا المنهج.

قال الإمام الشافعي: "كان مالك إذا شك في شيء من الحديث تركه كله" [42].

قال الإمام المتقن أمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري المتوفى سنة ستين ومائة: "وجدت مذ ثلاثة أيام في كتاب عندي عن منصور عن مجاهد قال: لم يحتجم النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم. قال: ما أدري كيف كتبته، ولا أذكر أني سمعته" [43].

وهذا الإمام الحافظ علي بن الحسن الشقيقي المروزي، المتوفى سنة خمس عشرة ومائتين، يترك أحاديث كتاب الصلاة كلها من أجل حديث واحد.

قال الحسين بن حريث المروزي: "سألت علي بن الحسن الشقيقي، هل سمعت كتاب الصلاة عن أبي حمزة؟ [44].

قال: الكتاب كله، إلا أنه نهق الحمار يوماً فخفي علي حديث أو بعض حديث، ثم نسيت أي حديث كان من الكتاب، فتركت الكتاب كله" [45].

بل توصل الأمر لدى بعضهم أنه إذا شك في كلمة من الحديث ترك الحديث كله، والبعض الآخر كان يقول: كذا أو كذا، إشارة إلى تردده.

فهذه الدقة وهذه الأمانة لا نجدها عند أحد إلا عند علماء هذه الأمة وخاصة محدثيها.

قال يحيى بن سعيد القطان: "الأمانة في الذهب والفضة أيسر من الأمانة في الحديث إنما هي تأدية، إنما هي أمانة" [46].

قال الحافظ الخطيب: "إذا شك في حديث واحد بعينه أنه سمعه وجب عليه اطراحه، وجاز له رواية ما في الكتاب سواه، وإن كان الحديث الذي شك فيه لا يعرفه بعينه لم يجز له التحديث بشيء مما في ذلك الكتاب" [47].

فأي أمانة بلغها هؤلاء الأئمة الذين فاقوا ما يتصوره العقل البشري، فرحمة الله عليهم ورضي عنهم، وجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

المبحث الخامس: كتابتهم للحديث وعنايتهم بالصحف:

فهم إلى جانب الحفظ والعناية الفائقة بما تحملوه، كان أكثرهم يكتب الحديث في صحف، لكي تكون تلك الصحيفة المرجع الذي يرجع إليها المحدث، إن شك في حرف أو اختلف في لفظ مع الرواة الآخرين.

فهذا وكيع بن الجراح يخالف عبد الرحمن بن مهدي، وكلاهما إمام حافظ حجة، لكن العلماء قدموا ابن مهدي على وكيع، إن اختلف معه؛ لأن ابن مهدي أقرب عهداً بالكتاب.

قال وكيع عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه قال: "سمعت مسلمة بن مخلد [48] قال: ولدت مقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة، ومات وأنا ابن عشرة" [49].

وقال ابن مهدي عن موسى بن علي عن أبيه عن مسلمة أنه قال: "قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة، وأنا ابن أربع سنين، ومات وأنا ابن أربع عشرة" [50].

فقدمت رواية ابن مهدي على رواية وكيع للسبب المتقدم.

قال الإمام أحمد: "إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن، فعبد الرحمن أثبت؛ لأنه أقرب عهدا بالكتاب".

وهذا الإمام يحيى بن معين يبحث عن حديث من رواية إسحاق الأزرق، في كتب إسحاق فلم يجده، فمن أجل ذلك أنكره.

قال ابن أبي حاتم قلت لأبي: "فما بال يحيى نظر في كتاب إسحاق فلم يجده؟ قال: كيف! أنظر في كتبه كلها؟ إنما نظر في بعض، وربما كان في موضع آخر" [51].

فيلاحظ من هذه الحادثة وغيرها أن الكتاب كان حكماً بين المحدثين في الحديث الذي اختلفوا فيه.

قال الإمام عبد الله بن المبارك: "إذا اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غندر حكم فيما بينهم" [52].

لذلك إذا كان الكتاب صحيحاً يوصون به ويكونون حريصين على الكتابة منه.

قال الإمام الأوزاعي: "عليكم بكتب الوليد بن مزيد فإنها صحيحة" [53].

قال علي بن المديني: "سألت عبد الرحمن بن مهدي عن يونس الأيلي قال: كان ابن المبارك يقول: كتابه صحيح. قال عبد الرحمن - أي ابن مهدي -: وأنا أقول كتابه صحيح [54].

وهناك نصوص كثيرة تبين أن الكتاب هو الحكم بين المحدثين - كما قلت- إذا اختلفوا.

روى الخطيب بسنده عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: "حدثني أبي قال: حدثنا حجاج بن محمد الترمذي عن ابن جريج قال: أخبرني أبو جعفر محمد بن علي: أن إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مات حمل إلى قبره على منسج الفرس".

قال الإمام أحمد: "كان يحيى وعبد الرحمن أنكراه عليه- أي على حجاج - فأخرج إلينا كتابه الأصل، قرطاس. فقال: ها أخبرني محمد بن علي".

قال الحافظ الخطيب - معلقاً على ما تقدم-: "كان إخراج حجاج أصل كتابه حجة له على يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، وزالت العهود عنه فيما أنكراه عليه.

وكذلك يلزم كل من روى من حفظه ما خولف فيه، وأنكر عليه أن يفعل إذا كان قادراً على الأصل، أو يمسك عن الرواية إذا تعذر ذلك عليه" [55].

فكتابتهم للحديث في صحف، وحفظهم لهذه السنة لدليل واضح منهم على العناية بالسنة واهتمامهم بها، وأدائها كما سمعوها. وقد كانوا على قسمين في كتابة الحديث:

فمنهم: من يحفظ أولاً ثم يكتب ما حفظه في صحيفة، لكي يرجع إليها عند الشك.

ومنهم: من قد كان يكتب أولاً ثم يحفظه وبعد ما يحفظه، إما أن يمحو ما كتب، وإما أن يتركه لكي تكون وثيقة لمروياته، والشواهد على ذلك كثيرة، وسأكتفي ببعض الأمثلة.

قال طاووس: "كنت أنا وسعيد بن جبير عند ابن عباس –رضي الله عنهما- يحدثنا، ويكتب سعيد بن جبير" [56].

قال منصور بن المعتمر الكوفي قلت لإبراهيم النخعي: "سالم ابن أبي الجعد أتم حديثا منك! قال: إن سالماً كان يكتب" [57].

والمراد من قوله: "أتم" أي: يروي الحديث كاملاً تاماً بخلاف إبراهيم، فقد يرويه أحياناً ناقصاً؛ لأنه يروي من حفظه، فربما ينسى الحرف والكلمة.

وكانوا يصفون من يحدث من كتاب، صاحب كتاب [58]، وإذا كان الراوي سيء الحفظ فلا يتحملون منه إلا إن حدث من كتابه، وذلك ليأمنوا خطأه [59].

وأستطيع أن أجزم، من خلال قراءتي لكثير من تراجم المحدثين، أن معظم المحدثين المتقدمين كانوا يكتبون الحديث في صحف.

إلى أن جاء أمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - بكتابة السنة، وتدوينها.

قال الحافظ ابن حجر: "وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين، ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير، فلله الحمد" [60].

ولا يفهم من هذا أن العلماء كانوا لا يكتبون، بل كان أكثرهم يكتب ما يسمع من غير ترتيب، لكن عندما جاء أمر عمر بن عبد العزيز أخذ الصفة الرسمية، وأخذ التدوين أشكالا متعددة.

والدليل على ذلك: أننا إذا قرأنا تراجم السلف قبل أن يأتي عمر بن عبد العزيز لوجدنا العبارات الكثيرة التي تثبت أنهم كانوا يكتبون ما يحفظونه في صحف حتى بعض الصحابة - رضي الله عنهم - [61].

كان الإمام الثقة محمد بن سيرين البصري المتوفى سنة عشر ومائة: لا يرى بكتابة الحديث بأساً، فإذا حفظه محاه [62].

وكان يفعل مثله غير واحد من العلماء كعاصم بن ضمرة وغيره [63].

أما الذين كانوا يحفظون أولاً ثم يكتبون، فمنهم:

الإمام سليمان بن مهران المعروف بالأعمش؛ إذ كان يسمع من أبي إسحاق، ثم يجيء، فيكتبه في منزله [64].

قال هشيم: "ما كتبت حديثاً قط في مجلس كنت أسمعه، ثم أجيء إلى البيت فأكتبه" [65].

وكان يفعل مثله غير واحد من العلماء [66]، وعندما كان عمر بن عبد العزيز واليا على المدينة قبل

استلامه الخلافة: "كتب عمر إلى أبي بكر بن محمد أن اكتب إليّ من الحديث بما ثبت عندك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحديث عمرة" [67].

قال الحافظ الرامهرمزي: "والحديث لا يضبط إلا بالكتاب، ثم بالمقابلة، والمدارسة، والتعهد، والتحفظ، والمذاكرة، والسؤال، والفحص عن الناقلين، والتفقه بما نقلوه" [68].

أما الذين كانوا يمحون بعد الحفظ، أو يحرقون كتبهم قبل الموت، فلعدة أسباب:

1 – منها: أنهم يفعلون ذلك لكي لا يعتمدون على الكتاب، بل يعتمدون على الذاكرة والتعهد المستمر للحفظ.

2 – ومنها: أنهم كانوا يخشون أن تقع كتبهم بعد موتهم في أيد غير أمينة، فيزاد فيها أو ينقص.

قال سعد بن شعبة بن الحجاج: "أوصى أبي إذا مات أن أغسل كتبه، فغسلتها" [69].

قال الحافظ الذهبي - رحمه الله تعالى -: "هذا فعله غير واحد، بالغسل، وبالحرق، وبالدفن، خوفاً من أن تقع في يد إنسان واه، يزيد فيها أو يغيرها" [70].

كما أن كثيراً من المحدثين كان يحدث من كتابه لكي لا يقع في غلط أو خطأ.

قال عبد الله ابن الإمام أحمد: "كتب إليّ ابن خلاد قال: حدثني يحيى وذكر سفيان وشعبة، فقال: سفيان أقل سقطاً؛ لأنه يرجع إلى كتاب" [71].

قال الإمام الذهبي: "الورع أن المحدث لا يحدث إلا من كتاب، كما كان يفعل ويوصي به إمام المحدثين أحمد بن حنبل -رضي الله عنه-" [72].

وكان أيضاً على مذهب الإمام أحمد علي بن المديني قال - رحمه الله -: "ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وبلغني أنه لا يحدث إلا من كتاب، ولنا فيه أسوة" [73].

قال الحافظ الخطيب: "الاحتياط للمحدث والأولى به أن يروي من كتابه، ليسلم من الوهم والغلط، ويكون جديراً بالبعد من الزلل" [74]. وهذه الصحف أو الكتب كانوا يحافظون عليها محافظة لا نظير لها، حتى أنهم لا يعيرونها لأحد.

قال الإمام أحمد: "قال أبو قطن - وكان ثبتاً- ما أعرت كتابي أحدا قط" [75].

وكان وكيع بن الجراح ينهى عن استعارة الكتب.

قال الإمام أحمد سمعت وكيعاً يقول: "نهيت أبا أسامة الكوفي أن يستعير كتب الناس" [76].

قال علي بن قادم سمعت سفيان يقول: "لا تعر أحداً كتاباً"[77].

وذلك خشية أن يغير الكتاب من زيادة أو نقصان.

قال الحافظ الخطيب: "والذي عندي في هذا- يشير إلى إعارة الكتب- أنه من غاب كتابه ثم عاد إليه، ولم ير فيه أثر تغيير حادث من زيادة أو نقصان أو تبديل، وسكنت نفسه إلى سلامته جاز له أن يروي منه" [78].

قال حمزة الزيات المتوفى سنة ست أو ثمان وخمسين ومائة: "يقال لا تأمن قارئاً على صحيفة، ولا أعرابياً على جمل" [79].

وكانت هذه الكتب تجد اهتماماً لدى العلماء، إذ كانوا يصفون الكتاب بالصحة أو بغيرها.

قال الخليلي - بحق عبيد الله بن أبي زياد الرصافي -: "صحيح الكتاب، غير أن نسخته ليست مشهورة" [80].

قال عبد الله ابن الإمام أحمد: "كتب إليّ ابن خلاد قال سمعت يحيى - هو ابن سعيد القطان - يقول: كنا نسمي كتب ابن جريج كتب الأمانة" [81].

قلت: لضبطها وإتقانها.

ومن كان عنده كتاب ثم تصيبه آفة، كالحرق، أو الضياع، أو يزاد فيه من قبل آخرين، ثم يحدث منه صاحبه، فإن أهل الحديث يجرحونه، ويردون حديثه، كما صنعوا في ابن لهيعة وغيره [82].

وهذا أبو بكر القطيعي عندما غرقت كتبه جرحه العلماء.

قال الحافظ الخطيب: "كان بعض كتبه غرق فاستحدث نسخها من كتاب لم يكن فيه سماعه، فغمزه الناس، إلا أنا لم نر أحداً امتنع من الرواية عنه، ولا ترك الاحتجاج به" [83].

ثم قال: "له في بعض المسند- يريد مسند الإمام أحمد - أصول فيها نظر، ذكر أنه كتبها بعد الغرق".

ومن الأدلة الواضحة على دقتهم أنهم كانوا لا يكتفون بالكتابة بل لا بدّ من المقابلة.

قال هشام بن عروة قال لي أبي: "أكتبت؟ قلت: نعم! قال: عارضت؟ قلت: لا! قال: لم تكتب شيئاً" [84].

وهكذا كان غير واحد من المحدثين يتبع هذا المنهج [85].

ومن حدث بما كتب عن الشيخ ولم يعارضه ويقابله بالأصل، جاز له أن يروي لكن بشرط أن يبين أنه لم يعارض، كما أفتى بذلك أبو بكر الإسماعيلي [86].

قال الحافظ الخطيب: "وهذا مذهب أبي بكر البرقاني، فإنه روى لنا أحاديث كثيرة، وقال فيها: أنا فلان- أي أخبرنا فلان- ولم يعارض بالأصل" [87].

فهذه الدقة المتناهية، وهذا التحري العجيب لا نظير له، كل ذلك من أجل المحافظة على السنة النبوية.

كما أنهم كانوا يهتمون بضبط الكلمة وتنقيطها، حتى لا يقع فيها تصحيف، وذكروا أن الراوي الذي يعتني بالتشكيل والتنقيط لدليل على دقته وصحة كتابه.

وقد حث غير واحد من أهل الحديث على التنقيط والضبط [88].

قال حماد بن سلمة لأصحاب الحديث: "ويحكم! غيروا، يعني قيدوا واضبطوا" [89].

حتى أن العلماء جعلوا الكتاب الذي فيه تغيير وإلحاق وإصلاح علامة الصحة.

قال الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى -: "إذا رأيت الكتاب فيه إلحاق وإصلاح، فاشهد له بالصحة" [90].

وقد كان أصحاب الحديث على قسمين:

منهم: من يشكل جميع الكلام.

ومنهم: من يشكل الذي يحتاج إلى شكل.

قال الرامهرمزي: "قال أصحابنا أما النقط فلا بدّ منه؛ لأنك لا تضبط الأسامي المشكلة إلا به،... وقالوا: إنما يشكل ما يشكل، ولا حاجة إلى الشكل مع عدم الإشكال".

وقال آخرون: "الأولى أن يشكل الجميع، وكان عفان وحيان من أهل الشكل والتقييد" [91].

ومن أجل أهمية الضبط نرى المحدثين إذا شك أحدهم في كلمة يسأل عنها أهل العربية.

قال عبد الله بن المبارك: "إذا سمعتم عني الحديث فاعرضوه على أصحاب العربية، ثم أحكموه" [92].

سأل الإمام أحمد رجل، فقال: "يا أبا عبد الله! الرجل يكتب الحرف من الحديث، لا يدري أي شيء هو إلا أنه قد كتبه صحيحاً، يريه إنساناً فيخبره؟ فقال: لا بأس به" [93].

لذلك قال غير واحد من المحدثين: إن المحدث إذا شك في حرف سأل أهل النحو، ومن الأمثلة على ذلك:

قال الأصمعي - عبد الملك بن قريب - المتوفى سنة ست عشرة ومائتين: "كنت في مجلس شعبة، فقال: - أي شعبة- فيسمعون جرش طير الجنة. فقلت: جرس الطير، إذا سمعت صوت منقاره على شيء يأكله، وسميت النحل جوارس من هذا؛ لأنها تجرس الشجر، أي تأكل منه. والجرس: الصوت الخفي، واشتقاق الجرس من الصوت والحس [94].

فيلاحظ من هذه الحادثة أن شعبة أخطأ في حرف، فيصحح له الخطأ إمام أهل اللغة في زمانه، بأن الكلمة هي "جرس" بالسين المهملة، وليست بالشين المعجمة، وسرعان ما يرجع شعبة إلى قوله. قال الحافظ الخطيب: - بعد أن ذكر حديث جابر –رضي الله عنه- مرفوعا: ((إذا أرفت الحدود فلا شفعة)).

قال: "قال لي القاضي أبو الطيب الطبري: سمعت أبا محمد البارقي يقول: ذكر لنا الداركي هذا الحديث في تدريسه في كتابه الشفعة، فقال: ((إذا أزفت الحدود)).

فسألت عثمان بن جني النحوي المتوفى سنة اثنين وتسعين وثلاث مائة عن هذه الكلمة، فلم يعرفها، ولا وقف على صحتها.

فسألت المعافى بن زكريا النهرواني المتوفى سنة تسعين وثلاث مائة عن هذا الحديث وذكرت له طرقه، فلم أستتم المسألة حتى قال: ((إذا أرفت الحدود))، والأرف: المعالم، يريد: إذا بينت الحدود وعينت المعالم، ميزت فلا شفعة" [95].

فهذه الواقعة تدل على مدى اهتمام المحدثين بدراية الحديث، وتحديد المطلوب، وتدل أيضاً على أمانة أهل اللغة؛ إذ لم يتكلم فيها إمام أهل اللغة في زمانه ابن جني - رحمه الله تعالى -.

قال أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان أبو حاتم السجستاني النحوي، البصري المتوفى سنة خمس وخمسين ومائتين: "كان عفان بن مسلم يجيء إلى الأخفش وإلى أصحاب النحو، يعرض عليهم الحديث يعربه.

فقال له الأخفش: عليك هذا- يعنيني- وكان بعد ذلك يجيء إليّ حتى عرض عليّ حديثاً كثيراً" [96].

المبحث السادس: رحلتهم في طلب الحديث:

أما رحلتهم في طلب الحديث من بلد إلى آخر فأمر مشهور ومعروف لدى العامة والخاصة؛ إذ كانوا يقطعون المسافات الطويلة المحفوفة بالمخاطر من أجل رواية الحديث [97].

حتى أنهم كانوا يذهبون إلى الحج من أجل أن يجتمعوا بالمحدثين القادمين من شتى الأمصار.

قال أيوب السختياني: "كانوا يحجون للقي" [98].

فمن الأسباب الداعية لهم للرحلة في طلب الحديث اجتماعهم ولقاؤهم بالمشهورين من أهل العلم بالحفظ والإتقان؛ لأن الحديث لا يقبل إلا ممن كان إماماً ثقة.

قال الإمام سفيان الثوري المتوفى سنة إحدى وستين ومائة: "خذ الحلال والحرام من المشهورين في العلم، وما سوى ذلك فمن المشيخة" [99].

أما عنايتهم بالإسناد فأمر مشهور، وجعلوا كل حديث لا سند له لا قيمة له.

قال الإمام الشافعي - رضي الله عنه - المتوفى سنة أربع ومائتين: "مثل الذي يطلب العلم بلا إسناد مثل حاطب ليل، لعل فيها أفعى تلدغه، وهو لا يدري" [100].

وقال محمد بن سيرين: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم" [101].

قال الإمام الزهري لإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة المدني المتروك: "يا إسحاق، تجيء بأحاديث ليست لها أزمة، ولا خطام! إذا حدثت فأسند" [102].

أما الأحاديث التي لا تتعلق بالحلال والحرام أو العقائد فإنهم يتساهلون في روايتها عن المشايخ والضعفاء، حتى أصبح عرفا بينهم. قال عبد الله: "سئل أبي عن يحيى بن عبيد الله، فقال: منكر الحديث، يسأل يحيى بن سعيد يوماً عنه قال: من يحدث عنه؟ قيل لأبي: ابن المبارك روى عنه! فقال- أي الإمام أحمد -: في الرقائق، يعني الزهد" [103].

وقال أيضاً أبو عبد الله: "إذا روينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضائل الأعمال، وما لا يضع حكماً ولا يرفعه، تساهلنا في الأسانيد" [104].

المبحث السابع: تحذيرهم من الصحفي:

من الأساليب التي اتبعها المحدثون للمحافظة على السنة النبوية تحذيرهم من الصحفي.

والصحفي: "هو- كما قال الخليل بن أحمد - الذي يروي الخطأ على قراءة الصحف باشتباه الحروف" [105].

وسبب تحذيرهم من هذا الصنف: أن من أخذ العلم من الصحف من غير أن يأخذه من أفواه العلماء، فإنه في الغالب يقع في التصحيف والتغيير.

قال شعبة: "قال لي أيوب: لا ترو عن خلاس بن عمرو فإنه صحفي" [106].

وقال سعيد بن عبد العزيز التنوخي المتوفى سنة سبع وستين ومائة: "كان يقال: لا تحملوا العلم عن صحفي، ولا تأخذوا القرآن من مصحفي" [107].

ولم يكتف العلماء بذلك، بل بينوا كل من روى عن صحيفة أو كتاب، وكثيراً من الرواة إذا حدث من صحيفة يقول: وجدت كذا في كتاب كذا.

كما كان يفعل عبد الله ابن الإمام أحمد وغيره فإنه يقول: "وجدت في كتاب أبي" [108].

الخاتمة:

1 - اهتمام علماء المسلمين في السنة النبوية تحملاً وأداءً ونشراً لها.

2 - وجود صحف كثيرة يكتب فيها الحديث في وقت مبكر، قبل الأمر بتدوين السنة.

3 - كانت السنة النبوية تؤخذ عن طريق التلقي من الشيوخ، وإذا أخذ شيئاً منها، فإن الراوي يغاير في صيغ الأداء.

ـــــــــــــــــــــــ

[1] المحدث الفاصل: ص 186.

[2] المحدث الفاصل: ص 186.

[3] المحدث الفاصل: ص 185.

[4] المحدث الفاصل: ص 185.

[5] الكفاية في علم الرواية: ص 287.

[6] الكفاية في علم الرواية: ص 288.

[7] انظر هذه الطرق والكلام عليها في: الإلماع للقاضي عياض، ص 68 وما بعدها. وهو خير من تناول هذه الطرق.

[8] مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 1 / 46.

[9] مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 1 / 71..

[10] المحدث الفاصل للرامهرمزي: ص 212.

[11] هو حجاج بن محمد المصيصي الأعور أبو محمد ثقة، توفي سنة ست ومائتين، انظر: التقريب.

[12] بالهاشمية مدينة بناها السفاح قرب الكوفة، انظر: معجم البلدان: 5 / 389.

[13] العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد: 1 / 259.

[14] الكفاية: ص 289.

[15] سير أعلام النبلاء: 7 / 46.

[16] العلل ومعرفة الرجال: 2 / 131..

[17] انظر: شرح علل الترمذي: 1 / 376.

[18] الكفاية، ص 290..

[19] العلل ومعرفة الرجال: 12 / 348.

[20] تصحيفات المحدثين: 1 / 23.

[21] الإرشاد للخليلي: 1 / 280 وقارن بالميزان: 4 / 126.

[22] المحدث الفاصل: 203.

[23] انظر: الإلماع له: "باب في آداب طالب السماع وما يجب أن يتخلق به"، ص 45.

[24] انظر المحدث الفاصل: ص 203.

[25] المحدث الفاصل: ص 274، وسير أعلام النبلاء: 10 / 329.

[26] العلل ومعرفة الرجال: 1 / 92.

[27] المحدث الفاصل: ص 571.

[28] المحدث الفاصل، وانظر: لسان العرب: 13 / 434 مادة: هجن.

[29] المحدث الفاصل: ص 572.

[30] المحدث الفاصل ص 573.

[31] العلل ومعرفة الرجال 1 / 261.

[32] العلل ومعرفة الرجال: 2 / 311.

[33] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 1 / 235.

[34] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 1 / 232.

[35] المحدث الفاصل: ص 583.

[36] المحدث الفاصل: ص 583.

[37] المحدث الفاصل: ص 583.

[38] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 1 / 232.

[39] الكفاية: ص 233.

[40] الكفاية: ص 233.

[41] الكفاية: ص 233

[42] الكفاية: ص 234، وترجمة الشافعي: 199.

[43] الكفاية: ص 233.

[44] هو محمد بن ميمون المروزي أبو حمزة السكري ثقة فاضل، مات سنة سبع وستين أو ثمان وستين ومائة.

[45] الكفاية. ص 234.

[46] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 2 / 202.

[47] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 2 / 202.

[48] هو مسلمة بن مخلد بتشديد اللام الأنصاري الزرقي، صحابي صغير، سكن مصر، ووليها، انظر: الإصابة: 6... / 1 / 91 وما بعدها. والتقريب: ص 532. رقم (6666).

[49] المحدث الفاصل: ص 192، وقارن بالكفاية: ص 57.

[50] المحدث الفاصل: ص 192، وقارن بالكفاية: ص 57.

[51] العلل لابن أبي حاتم: 1 / 137.

[52] مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 1 / 271.

[53] مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 1 / 205

[54] مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 1 / 272.

[55] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 2 / 38.

[56] المحدث الفاصل: ص 374.

[57] المحدث الفاصل: ص 374.

[58] انظر: سير أعلام النبلاء: 7 / 356 ، 358، 407.

[59] انظر: العلل ومعرفة الرجال: 2 / 351.

[60] فتح الباري: 1 / 208.

[61] انظر: أسماء من كان عنده صحف في كتاب العلل ومعرفة الرجال: 1 / 374 ، 375 ، 397 ، 197 ، 220 ، 95 ، 98 ، 107 ، 452 ، 114 ، 484. وانظر: سير أعلام النبلاء: 7 / 9 ، 11 ، 12 ، 59 ، 81 ، 100 ، 114 ، 152 ، 162 ، 164 ، 188 ، 211 ، 246 ، 248 ، 267 ، 298 ، 304 ، 306 ، 315 ، 331، وهناك الكثير جداً اكتفيت بهذه المواضع اختصاراً. وقد أثبت فضيلة الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتابه "دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه" العدد الكثير من الصحابة والتابعين الذين كانت لهم صحف دونوا فيها السنة.

[62] المحدث الفاصل: ص 382.

[63] المحدث الفاصل: ص 382.

[64] المحدث الفاصل: ص 384.

[65] المحدث الفاصل: 385.

[66] المحدث الفاصل: 385.

[67] العلل ومعرفة الرجال: 1 / 49.

[68] المحدث الفاصل: ص 385.

[69] سير أعلام النبلاء: 7 / 213 ، 11 / 376، 396.

[70] سير أعلام النبلاء: 7 / 213 ، 11 / 376، 396.

[71] العلل ومعرفة الرجال: 2 / 224

[72] السير: 9 / 383، وانظر: مقدمة الجرح والتعديل: 1 / 295.

[73] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 2 / 12.

[74] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 2 / 10.

[75] العلل ومعرفة الرجال: 1 / 137.

[76] العلل ومعرفة الرجال: 1 / 275.

[77] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 24411.

[78] الكفاية: ص236.

[79] العلل ومعرفة الرجال: 2 / 201

[80] الإرشاد للخليلي: 1 / 200.

[81] العلل ومعرفة الرجال: 2 / 225.

[82] انظر: التقريب: ص319 ، ترجمة 3563.

[83] تاريخ بغداد: 4 / 73-74.

[84] المحدث الفاصل: ص 544.

[85] انظر: الكفاية: ص 237 وما بعدها.

[86] انظر: الكفاية: ص 239.

[87] انظر: الكفاية: ص 239.

[88] التنقيط: هو أن تبين التاء من الياء، والحاء من الخاء وهكذا. أما الشكل: هو تقييد الإعراب، أي ضبط الكلمة بالحركات. انظر: المحدث الفاصل: ص 608 ، 609.

[89] الكفاية: ص 242.

[90] الكفاية: ص 242.

[91] المحدث الفاصل: ص 608.

[92] الكفاية ص255.

[93] الكفاية: 256، وتصحيفات المحدثين: 1 / 1 / 32 وما بعدها.

[94] الكفاية: 256، وتصحيفات المحدثين: 1 / 1 / 32 وما بعدها.

[95] الكفاية: ص 256 وما بعدها. قال في لسان العرب: 4 / 9 "الأرفة: الحد وفصل ما بين الدور والضياع... وقال: الأُرف: المعالم والحدود". وانظر أيضاً النهاية في غريب الحديث مادة: أرف.

[96] الكفاية: ص 255.

[97] انظر: المحدث الفاصل: ص 223، ما بعدها و 229 وما بعدها.

[98] العلل ومعرفة الرجال: 1 / 369.

[99] المحدث الفاصل: ص 456.

[100] الإرشاد: 1 / 145

[101] مقدمة صحيح مسلم: 1 / 14

[102] الإرشاد: 1 / 194

[103] العلل ومعرفة الرجال: 2 / 133

[104] الكفاية ص 134، وقد عقد الخطيب باباً خاصاً في هذه المسألة تحت باب "التشدد في أحاديث الأحكام والتجوز في فضائل الأعمال"، ذكر فيه أقوال أهل العلم حول هذه المسألة.

[105] تصحيفات المحدثين لأبي أحمد العسكري: 1 / 1 / 24 .

[106] العلل ومعرفة الرجال: 1 / 141.

[107] تصحيفات المحدثين: 1 / 1 / 7، وصحفي: بفتح الصاد والحاء المهملة، ومن التصحيف من يقول: صحفي: بضمهما، انظر: تدريب الراوي: 2 / 208.

[108] انظر: العلل ومعرفة الرجال: 2 / 193، 1 / 244.
___________
rsala
المصدر

موقع المختار الإسلامي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
اهتمام المحدثين ومنهجهم في حفظ السنة النبوية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: القسم العام :: منتدى السياسة والاخبار العامة-
انتقل الى: